الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

289

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ساعة العسرة فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا عطش ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، إن اللّه قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع اللّه لنا ، قال : « أتحبون ذلك ؟ » قال : نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت ، فملؤوا ما معهم من آنية ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر « 1 » ، قال الحافظ المنذري : أخرجه البيهقي في الدلائل ، وشيخه ابن بشران ثقة ، ودعلج ثقة ، وابن خزيمة أحد الأئمة ، ويونس احتج به مسلم في صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخاري ومسلم ، وعتبة فيه مقال . وقد رواه القاضي عياض في الشفاء مختصرا وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه . وروى صاحب « مصباح الظلام » عن عمرو بن شعيب : أن أبا طالب قال : كنت مع ابن أخي - يعنى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بذى المجاز ، فأدركني العطش ، فشكوت إليه فقلت : يا ابن أخي عطشت ، وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع ، فثنى وركه ثم نزل وقال : « يا عم ، أعطشت ؟ » فقلت : نعم ، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء ، فقال : « اشرب يا عم فشربت » وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر . ومن ذلك : تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه - صلى اللّه عليه وسلم - . عن جابر ، في غزوة الخندق قال : فانكفأت إلى امرأتي ، فقلت هل عندك شيء ، فإني رأيت بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - خمصا « 2 » شديدا ، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمة داجن « 3 » فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 231 ) . ( 2 ) الخمص : الجوع . ( 3 ) الداجن : الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم فيقال : شاة داجن .